ابن الجوزي

147

كتاب ذم الهوى

وبلغنا عن أبي حمزة الصوفي ، قال : وقفت على راهب في بعض بلاد الشام ، وقد أشرف من صومعته وهو يكلّم غلاما جميلا من النصارى ويبتسم إليه ، فقلت له : ينبغي لمن هو على طريقتك أن لا يبتسم في وجه من لا تؤمن فتنته ، فقال : هو لعمري كما قلت ، غير أني أعاهد اللّه لا فتحت عيني حولا ، عقوبة لها . وأغمض عينيه وأدخل رأسه وبكى وانصرفت ! . أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا : أنبأنا حمد بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه قال : أنبأنا أبو الحسين محمد بن محمد بن عبد اللّه ، قال : سمعت أخي أبا عبد اللّه محمد بن محمد يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : سمعت خيرا النسّاج يقول : كنت مع أمية بن الصامت الصوفي ، فنظر إلى غلام ، فقرأ : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) [ الحديد ] ثم قال : وأين الفرار من سجن اللّه وقد حصّنه بملائكة غلاظ شداد ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . تبارك اللّه ! فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ، ما شبّهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت . ثم قال : أستغفر اللّه من بلاء جنته عيناي على قلبي وأحشائي ، لقد خفت أن لا أنجو من معرته ولا أتخلّص من إثمه ، ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صدّيقا . ثم بكى حتى كاد يقضي ، فسمعته يقول في بكائه : يا طرف لأشغلنّك بالبكاء عن النظر إلى البلاء .